تتجسد إحدى أشد الصور قسوة للنزاع المسلح في السودان في مأساة الفتيات اللاتي تعرضن لجرائم العنف الجنسي، وما نتج عنها من ولادة أطفال يواجهون مصيراً مجهولاً يجردهم من أبسط حقوقهم المواطنية والقانونية.
شهادة حية من قلب النزاع
تختزل قصة "أميرة" (اسم مستعار - 17 عاماً) مأساة العديد من الناجيات في إقليم دارفور؛ فخلال نزوحها مع أسرتها من مدينة الفاشر، تعرضت للاختطاف والاحتجاز لمدة شهرين على يد مسلحين تعرضت خلالها للاغتصاب المتكرر. أُلقي بها لاحقاً قرب معسكر زمزم للنازحين وهي حامل، لتلد طفلها لاحقاً في مدينة طويلة بعد رحلة استشفاء شاقة.
ورغم النجاة البدنية، تواصل الأم مواجهة واقع أشد قسوة يتمثل في عجزها عن استخراج شهادة ميلاد أو رقم وطني لطفلها، مما يحرمه من المتابعة الطبية والتطعيمات الأساسية، ويهدد حقه في التعليم المالي والمستقبلي، وسط ظروف اقتصادية ومجتمعية شديدة التعقيد.
أزمة مجتمعية وحقوقية متفاقمة
وفقاً لمؤسسة "ندى الأزهار لدرء الكوارث والتنمية المستدامة"، فإن هذه الحالات لا تُعد فردية بل تشكل ظاهرة متزايدة في مناطق النزاع، وتتلخص أبرز معالمها في:
* استهداف القاصرات : تشكل الفتيات دون 18 عاماً النسبة الأكبر من ضحايا العنف الجنسي، مما يضعهن في مواجهة مسؤولية الأمومة دون جاهزية نفسية أو مادية.
* الوصمة المجتمعية وعوائق الإبلاغ: ترفض نحو 90% من أسَر الضحايا اتخاذ إجراءات قانونية أو الإبلاغ الرسمي خشية الوصمة الاجتماعية، مما يمنع توثيق الحالات أو معالجتها إدارياً.
الحرمان من الخدمات الأساسية : يؤدي غياب الأوراق الثبوتية إلى حرمان الطفل من الرعاية الصحية الدورية، والتطعيمات، والتسجيل التعليمي مستقبلاً.
الفجوة بين النص القانوني والواقع الميداني
على الصعيد التشريعي، يكفل قانون الطفل السوداني لعام 2010 حماية كاملة للمصلحة الفضلى للطفل، حيث يمنح الأطفال مجهولي الأب أو المولودين خارج إطار الزواج الحق الكامل في التسجيل، والحصول على اسم رباعي، وشهادة ميلاد، والجنسية السودانية (الرقم الوطني) عبر انتسابهم للأم.
إلا أن الحرب الجارية أدت إلى تعطيل عمل المؤسسات الخدمية، وإغلاق مكاتب السجل المدني والشرطة في معظم مناطق النزاع (خاصة دارفور)، مما أحدث فجوة كبرى بين التشريع والتطبيق الفعلي.
المخاطر المستقبلية
يحذر المختصون الحقوقيون والاجتماعيون من أن استمرار هذا الوضع يهدد بنشوء جيل كامل خارج السجلات الرسمية للدولة؛ جيل يفتقر للاعتراف القانوني والخدمات الأساسية، ويظل عرضة للتهميش والوصمة الاجتماعية طوال حياته ما لم تُفعل آليات استثنائية لتسجيل المواليد وتوفير الحماية القانونية للناجيات وأطفالهن.
Nahda_TV
تعليقات
إرسال تعليق